Portada | Almadrasa | Revista | Alyasameen | Islam | Corán | Cultura | Poesía | Andalus | Biblioteca | Jesús | Tienda

 
 
Cuentos Árabes Qisas Lil‘tfal قصص للأطفال

 

Nota

Es necesario bajar la fuente "Traditional Arabic" en la carpeta de Fuentes de tu Sistema

Descargar

¿Cómo instalar?

 

العصفوران الصغيران

 

قصة: د . طارق البكري

 

التقى عصفوران صغيران على غصن شجرة زيتون كبيرة في السن ، كان الزمان شتاء ..
الشجرة ضخمة ضعيفة تكاد لا تقوى على مجابهة الريح .
هز العصفور الأول ذنبه وقال :
مللت الانتقال من مكان إلى آخر … يئست من العثور على مستقر دافئ .. ما أن نعتاد على مسكن وديار حتى يدهمنا البرد و الشتاء فنضطر للرحيل مرة جديدة بحثا عن مقر جديد و بيت جديد ..
ضحك العصفور الثاني .. قال بسخرية : ما أكثر ما تشكو منه وتتذمر .. نحن هكذا معشر الطيور ؛ خلقنا للارتحال الدائم ، كل أوطاننا مؤقتة .
قال الأول :أحرام علي أن أحلم بوطن وهوية .. لكم وددت أن يكون لي منزل دائم و عنوان لا يتغير ..
سكت قليلا قبل أن يتابع كلامه : تأمل هذه الشجرة ؛ أعتقد أن عمرها أكثر من مائة عام .. جذورها راسخة كأنها جزء من المكان ، ربما لو نقلت إلى مكان آخر لماتت قهرا على الفور لأنها تعشق أرضها ..
قال العصفور الثاني : عجبا لتفكيرك ...أتقارن العصفور بالشجرة ‍؟ أنت تعرف أن لكل مخلوق من مخلوقات الله طبيعة خاصة تميزه عن غيره ؛ هل تريد تغيير قوانين الحياة والكون ؟ نحن – معشر الطيور – منذ أن خلقنا الله نطير و نتنقل عبر الغابات و البحار و الجبال والوديان والأنهار ..
عمرنا ما عرفنا القيود إلا إذا حبسنا الإنسان في قفص …وطننا هذا الفضاء الكبير ، الكون كله لنا .. الكون بالنسبة لنا خفقة جناح ..
رد الأول : أفهم .. أفهم ؛ أوتظنني صغيرا إلى هذا الحد ؟؟
أنا أريد هوية .. عنوانا .. وطنا ، أظنك لن تفهم ما أريد …
تلفت العصفور الثاني فرأى سحابة سوداء تقترب بسرعة نحوهما فصاح محذرا:
هيا .. هيا .. لننطلق قبل أن تدركنا العواصف والأمطار .. أضعنا من الوقت ما فيه الكفاية .
قال الأول ببرود : اسمعني ؛ ما رأيك لو نستقر في هذه الشجرة …تبدو قوية صلبة لا تتزعزع أمام العواصف ؟
رد الثاني بحزم : يكفي أحلاما لا معنى لها ... سوف انطلق وأتركك …
بدأ العصفوران يتشاجران ..
شعرت الشجرة بالضيق منهما ..
هزت الشجرة أغصانها بقوة فهدرت مثل العاصفة ..
خاف العصفوران خوفا شديدا ..
بسط كل واحد منهما جناحيه ..
انطلقا مثل السهم مذعورين ليلحقا بسربهما …

 


 

محكمة الألوان

 

قصة: د.طارق البكري

 

أزرق.. أصفر.. أخضر.. أحمر..
ألوان تزهو تتبختر..
هذه ألوان مائية.. تلك ألوان زيتية.. وأقلام: صينية، خشبية، شمعية.. وهذا مسرورٌ فنان.. مشغول بسحر الألوان..
غرفته باقات وزهور.. في كل ركن ريشة.. لوحة.. وقلم ملون.. هنا بقعة زرقاء.. فوق البساط الأخضر بقعة حمراء.. على الجدران خطوط مثل قوس قزح.. وحتى على فراشه الذي ينام فيه.. آثار الألوان..
مسرور لا يخرج من بيته.. دون حقيبة صغيرة.. تحوي كل الألوان.. وريشاً بأحجام متنوعة، وفرشاة كثيفة الشعر.. مروسة الرأس..
ثياب مسرور تظل دائماً ملطخة بالألوان..
حقيبة مسرور ملونة..
طاولة مسرور ملونة..
أصابعه.. تحت أظفاره..
حياته كلها.. ألوان.. ألوان.. ألوان..
لكل لون عنده معنى..
الزهري للورود التي تعطي ولا تأخذ..
الأخضر.. للعشب والنماء.. والطبيعة الساحرة..
الأسود.. لليل المجهول.. والنجوم البراقة.. للهدوء والسكون..
الأزرق.. للمدى الواسع، والأفق الرحب.. مثل السماء.. مثل البحر..
الأصفر.. للإخلاص والصدق.. وعودة الحياة بعد الفناء.. مثل أوراق الشجر.. تموت لتحيا من جديد..
..............
..............
مسرور لا يرسم الأشياء والأشكال..
يرسم الألوان.. لكل لون عنده تعبير خاص..
يرسم الألوان.. ثم يأتي بالأشياء لترتدي اللون الذي يريده.
كل من حوله.. يقول: إن للون عند مسرور معنى جديداً لا نعرفه..
فكر مسرور..
للألوان حياة.. للألوان روح..
ولكل حياة ولكل روح معنى وهدف..
صار يبحث عن معنى الألوان..
صار يبحث ويفكر.. ويفكر.. قضى وقتاً طويلاً يبحث عن أسرار الألوان..
أصعب لون صادفه: الأبيض.. ومن بعده الأحمر..
الأبيض.. ما هذا اللون؟! لا شيء.. أما الأحمر.. فلون الألم.. لون الجرح..
أخبروه أن الأبيض رمز للسلام.. والأحمر لون الدم والحرية..
لكن ما معنى السلام؟
حمامة بيضاء.. غصن زيتون أخضر.. شغله اللون الأبيض..
لماذا لم تكن الحمامة سوداء.. شعارها ريشةُ الألوان..
بحث في معاجم الألوان.. في لوحات الفن العريق.. فتش عن كل ألوانه البيض.. أسقطها فوق الأوراق البيض.. فوق الأوراق السود..
فوق الأوراق الخضر.. لم يجد غير فراغ.. إذن.. هذا معنى السلام؟!
مستحيل؟! أين السلام.. أين السلام؟!
أصرّ مسرور على مواصلة البحث.. من أين يمكن أن يبدأ؟!
ما أصل اللون الأبيض؟
الأبيض يعني الفراغ.. هل يمكن أن نبني مكتبة، كل كتبها من الأوراق البيضاء.. دون حبر أسود.. وألوان؟!
هل يمكن أن يُصدر دار للنشر كتاباً كله أوراق بيضاء.. ويسميه الناس:
الكتاب الأبيض؟!
ولماذا حمامة السلام بيضاء؟!
أليس الدِّيك الملون أجمل؟!
أليس الطاووس الملون أجمل؟!
ما معنى اللون الأبيض؟!
وتوصَّل مسرور إلى أن البياض شيء لا معنى له.. وقرر أن يزيل كل ما هو أبيض من غرفته، فهو يحب الألوان.. والأبيض ليس من الألوان..
قام مسرور على الفور.. أحضر كيساً أسود كبيرًا، وضع فيه كل الألوان البيضاء.. لم يبقِ قلماً ولا زيتاً ولا شمعاً أو أي شيء لونه أبيض.. كل الألوان البيضاء داخل الكيس الأسود..
كانت الألوان كلها تراقب ما يحدث.. شعرت بسخط شديد.. راحت تتحدث دون أن يسمعها مسرور:
قال اللون الأخضر: >كارثة.. كيف نقبل أن يزول اللون الأبيض؟!.. مستحيل..<
قال اللون الأصفر: ما فائدتنا كلنا لو سقط منا لون واحد؟
قال اللون الأسود: ما معنى الأسود دون الأبيض؟!
وصاحت الألوان كلها بصوت واحد: يجب أن نثور.. أن نعترض.. فلنُعلن العصيان..
فجأة.. اختفت جميع الألوان من الغرفة..
أمر لا يُصدق.. كل شيء بلا لون..
نظر مسرور من نافذته.. لم يجد الألوان..
السماء.. الأشجار.. الطيور.. الأزهار.. السيارات.. كلها.. كلها.. من دون ألوان
حتى اللون الأبيض لم يعد موجوداً..
فقدت الأشياء حياتها وروحها.. أصبحت مثل خطوط شفافة.. كل شيء أصبح مثل السراب..
شعر مسرور بالرهبة..
ماذا فعلتُ؟!
ماذا جنيتُ؟!
اختفت كل الألوان.. إنها تعاقبني.. كلها تعاقبني من أجل لون واحد.
أسرع مسعود.. فتح الكيس الذي وضع فيه اللون الأبيض.. صار يرجوه ليسامحه ويخرج من الكيس حتى تعود جميع الألوان..
اجتمعت الألوان حول مسعود.. بعد أن قررت محاكمته، اختارت اللون الأبيض ليكون قاضياً في المحكمة.. واللون الأحمر ليكون ممثل الادعاء، وبعد أن سمع القاضي مرافعة ممثل الادعاء.. وشهادة الأشياء التي تحب الألوان استمع إلى اعتذار مسعود واعترافه بذنبه..
رقّ قلب القاضي لحال مسعود، وأعلن أنه سيمنح مسعوداً العفو بشروط:
أن يجعل اللون الأبيض شعار حياته وأن يحترم جميع الألوان.. ويقدّر عالياً اللون الأحمر.. لون الدم.. رمز البطولة والشهادة والفداء..
هنا قال مسرور بأعلى صوته: >موافق.. موافق.. سوف التزم بجميع الشروط..
هنا أعلن اللون الأبيض عن شكره لجميع الألوان.. لأنه لا يمكن أن يحيا لوحده دون أن تحميه الألوان الأخرى.. وخصوصاً اللون الأحمر..
قام الجميع فرحين بنتيجة المحاكمة.. وراحوا يصفقون ويزغردون..
في تلك اللحظة عادت الألوان إلى حقولها وبساتينها وجبالها.. وبحارها.. وإلى كل الأشياء الجميلة الرائعة في الكون.

 


 

الزرافة زوزو

 

قصة : د . طارق البكري

 

زوزو زرافة رقبتها طويلة ..
الحيوانات الصغيرة تخاف منها .. مع أنها لطيفة … لطيفة …
عندما تراها صغار الحيوانات تسير تخاف من رقبتها التي تتمايل ..تظن أنها قد تقع عليها …
أحيانا لا ترى الزرافة أرنبا صغيرا أو سلحفاة لأنها تنظر إلى البعيد ..
وربما مرت في بستان جميل وداست الزهور ..
عندها تغضب الفراش و النحل ..
الحيوانات الصغيرة شعرت بالضيق من الزرافة ..
الزرافة طيبة القلب .. حزنت عندما علمت بذلك ..
صارت الزرافة تبكي لأنها تحب الحيوانات جميعا ..
لكن الحيوانات لم تصدقها …
رأت الزرافة عاصفة رملية تقترب بسرعة من المكان ..
الحيوانات لا تستطيع رؤية العاصفة لأنها أقصر من الأشجار..
صاحت الزرافة محذرة الحيوانات ..
هربت الحيوانات تختبئ في بيوتها وفي الكهوف وفي تجاويف الأشجار ..
لحظات وهبت عاصفة عنيفة دمرت كل شيء …
بعد العاصفة شعرت الحيوانات أنها كانت مخطئة في حق الزرافة فصارت تعتذر منها ..
كانت الزرافة زوزو سعيدة جدا لأنها تحبهم جميعا …

 


القلب الكبير " قصه قصيره " و شيخ البلد " قصه قصيره " و طالع الشجرة "

 قصة للاطفال " - عبدالله عيشان

 

القلب الكبير " قصه قصيره "

      جلس في احدى زوايا " الديوان " مفكرا مهموما بعد نهار حافل بالاحداث وكان يجلس حوله

رجال حمولته من شيوخ وشبان ، والصمت يخيم عليهم جميعا . كانوا ينتظرون منه حديثا وكلاما ،

فهو كبيرهم يريدونه ان يتحدث ، وبما ان منظره يدل على بالغ المه ، فلا بد من احترام هذا الامر في

هذه اللحظة العصيبه ، ومن الخطا ان يحدثوه او يبادروه بكلمة قد تثير المه وتهز كيانه ....

      واخيرا نهض الشيخ من مجلسه ، واختلى ببعض الرجال في الغرفة المجاوره ولم تمض دقائق معدوده

حتى عاد الى مكانه . عاد صامتا ايضا ، فلم ينبس ببنت شفة ولم يساله احد مع ان الاعناق تطاولت

عندما خرج ووقت رجوعه ، وتبادل اهل المجلس النظرات متسائلين عما يجري ، والاف الاسئلة تدور

في راس كل فرد وفرد ، ودلائل الحيره باديه على الوجوه العابسه والقلق يكاد يزهق الارواح ....

      وزاد الجمع حيرة خروج تعض الرجال الذين سارهم الشيخ وحملوا سلاحهم فكانهم يبيتون امرا، 

لا شك ان الشيخ اراد ان يكيل الصاع صاعين والشر بالشر يدفع ، هذه حكمة الزمان وهذا منطقه

الاول والاخير . كان الشيخ حمدان يعيش في نفسه مفكرا ، وبتصرف لوحده - بعد ان يشاور المسنين

من الحموله - فكان الموجه والقائد فقد علمته التجارب ان يتصرف بحكمه وصمت .

     لقد جلس هادئا منبسط الاسارير ، ولم تعد العتمه تكدر ملامح وجهه ، وظن اهل المجلس ان

انبساطها لانه يشعر بالارتياح بعد ان كلف رجاله برد الفعل والثار ، لقد ازاح عن صدره عبئا ثقيلا

تنوء به الجبال .

    كان يجلس ويعرف ما يفكرون به، فهو ادرى الناس بهم ، فالتجارب والاحداث الماضيه علمته ما

فيه الكفايه..يعرف انهم يريدون الانتقام ، ورد الفعل ، والاعتداء على ابناء الحموله الثانيه. يعرف انهم

يتهمونه باللين والمصانعه والمداراه، وانه سبب كل بلوائهم ومصائبهم فيا لهم من جهله لا يعلمون!! .                               

    انه يرى الامر ليس كما يرونه ، فلقد نالوا قسطا اكبر من الامان في الايام الاخيره ، نالوا قسطا من

الراحه والرخاء بعد ان عانوا الامرين زمن والده الشيخ الذي كان يقودهم بنفسه الى المهالك ، لاتفه

الاسباب - رحمه الله - وان لم يكن ليضع اللوم عليه ، اذ شتّان ما بين اليوم والامس . والده كان

يكيل للمعتدي .. الكيل " غراره " ولكنه لا يسلم من الاذى والاضرار . ناهيك عن ارث لا يحسدهم

عليه الا الجاهل .

     فهذه الحوادث بالامس ، ان هي الا نتاح ، المشاكل قديمه العهد ، وهذا الارث الذي يمقته ويبغضه

ويعمل على البراءه منه . فابنه احمد طريح المستشفى مع عشرات الجرحى من الرجال والنساء من كلا

الحمولتين وعشرات من الشبان في السجن من الطرفين المتنازعين - والقريه قلقه مضطربه حزينه كئيته

فاذا مررت بطرقاتها وازقتها لاحظت وجوه اهلها .

     لقد عشش الحقد في الصدور منذ القدم ، ورثه الاباء للابناء ، لقد عاش مدفونا كالنار تحت طبقه

رقيقه من الرماد فما ان تهب نسمه هواء حتى تبعث النار ويتطاير منها الشرر ويحرق كل ما يصيب ،

وجاء الوقت الذي انطلق فيه الحقد من قيده ، وولد شرا ، وتفجرت دماء ، وتكسرت عظام ، وتالمت

جنوب وبكت امهات ومن يدري ، لعل ارواحا تزهق ، فاحمد لا يزال تحت رحمة ربه ، فاقد الوعي

وجراحه بليغه في راسه ، وكذلك جراح الاخرين . لم يكن من رايه يوما ان يسيء التصرف ، ويقابل

الاساءة باختها ولا يرد للمسيء لانه اقوى منه ، ومع انه قادر وقوي الا انه كان دائما يحذر من عداوة

الضعيف والجاهل .. كان يحذرهم كثيرا ، فيوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم ،

ولا يؤمن جاهل وبيده السيف ، ولكن اين هم من ادراك ما يقول ، فالموعظه اذا دخلت اذن الجاهل

خرجت من الثانيه ..

     ان الامور تسير على غير طبيعتها ، ان الحقد يزداد وينمو ويكبر ويتجسم ومن يدري ما يخبىء لهم

الغد ؟! ما حدث بالامس قد اصبح واضحا جليا ، ولكن الغد مجهول .الرجال في المستشفى تحت وطأة

الالم ، ابنه فاقد الوعي وقد لا يعيش ، وبعض الرجال على سطوح المنازل مدججين بالسلاح حرصا

ويقظة من يد العابثين ، والاشاعات تنتشر بين ساعه واخرى تتحدث عن موت احمد وموت عنتره من

ابناء الحموله الثانيه يروج لها المارقون الحاقدون .. فما قرعت عصا على عصا الا سر لها قوم وحزن

اخرون !!

     وشط به الفكر بعيدا ، وقال في نفسه : يا له من مجتمع عفن يعيش على الام الناس ويرتفع احدهم

على رقاب الاخرين ، وسالت دمعة من عينه انحدرت على وجنته ، فاسرع واخفاها وهو الذي لم

تدمع له عين من قبل ، ولم تكن نفسه تدري هل نزلت الدمعة حزنا على ولده الطريح في المستشفى ،

ام هاله الموقف المحزن المخيف الذي يمكن ان ينفجر بين لحظه واخرى !! وتذكر الماضي البغيض بحوادثه

والامه ، ايام طفولته وشبابه . فلم يكن يمر يوم بدون هموم واحزان ، فالمزروعات تقلع ، والحصائد

تحرق في الحقول وعلى البيادر ، والاشجار تقطع ، والدماء تسيل والارواح تزهق ... هذه هي حالة

المجتمع انذاك .. والفلاح ينام في كرمه قلقا خائفا من يد الغدر ان تمتد اليه ، والراعي يخرج الى المرعى

مع قطيعه والسكين في جيبه والعصا في يده ، استعدادا للطوارىء ورد العدوان . والمزارعون يخرجون

بثيرانهم الى الحقل جماعات جماعات ، ويتناوبون السهر والحراسه . الى متى يبقى هذا المجتمع مريضا

جاهلا ! مندفعا وراء هفوات بسيطه واخطاء طفيفه يمكن التغاضي عنها بالتفاهم والصفح !! انه يعرف

موقعه منهم ، انه ربان السفينه في هذا البحر المتلاطم الامواج والقلب الكبير بين تلك القلوب المتباينة

العواطف ومتقاطعة الاهواء فلا بد من اتخاذ عمل سريع وحاسم ، لا بد من التحرك ، اما بالقاء البنزين

على النار لتزيدها التهابا واشتعالا ولن تسلم منها نفسه ، واما بالقاء الماء عليها لتخفف من حدتها

وشرها او اطفائها ! فلا بد من واحد من اثنين !!

     لكل هذا ، فقد انتحى بنفر من رجاله وكلفهم بمهام معينه ... ولقد عاد الى مكانه في المجلس ولم

تهدأ نفسه وتطمئن للغيب ، وما سيحمله لهم القدر ، وتقدم الليل وانفض من حوله اهل المجلس ما عدا

عمه المسن ، اما هو فلم ينم ، ولا تزال نفسه تئن تحت وطأة الهم الجديد !!

    وتقدم الليل والساعه الواحده بعد المنتصف ، ولم يبقى في " الديوان " غير اثنين "هو وعمه الشيخ"،

واذ بضجه وجلبة في الخارج ، وخشي ان يكون ذلك انذار لمفارقة ابنه احمد الحياه ، ومرت الصور

السوداء كثيرة في راسه ، فنهض مسرعا ليزيح عن صدره عبئا كاد يقتله ، واذ بثلاثه رجال مكتفين

ومعهم بعض رجاله ...كانوا يحملون ادواتهم في ايديهم .. وتفرس في وجوههم فعرفهم واحدا واحدا،

وهز راسه كثيرا ، ثم انتهر رجاله بان يكفوا عن اذاهم ، وقال لنفسه : هذا ما كنت اخشاه !!

     واطرق مفكرا ، ثم دخل الديوان وتهامس مع الشيخ المسن ، وخرجا معا ، وساق هؤلاء المكتفين

امامه من زقاق الى زقاق حتى انتهى الى دار الشيخ عدنان ... وعمه الشيخ يتعثر الخطى وراءه ! وقبل

ان يصل الدار بقليل نادى باعلى صوته على اصحابها ، واذ برجل من اعلى السطح قد سمع النداء

وعرف صوته ، كان بين صاح ونائم ، انه صوت الشيخ حمدان . وتبادر لذهنه ان ولده احمد قد مات

كما اشيع عنه مساء ، وان الرجل جاء  ليثأر لابنه منهم ... من ابن الشيخ عدنان عدوهم !.. ولم

يستطع ان ينهض  لقد احس ان ظهره قد انقسم نصفين ، ولم يقو على الحركه وقال لنفسه : لقد مات

احمد وبدأت المصاعب بوجهها البغيض الكالح ... وفرك عينيه ليزيل النعاس وسمع النداء ثانية ... لقد

تاكد الان من صحة ما سمع ، انه الشيخ حمدان بنفسه ومعه رجاله ، جاؤوا للانتقام ! وكانت الدار

محكمة الاقفال ، واهلها بين صحو ونوم ، وكان هذا الشاب الابن يحرس دارهم خوفا وحرصا ،

وبندقيته بيده ، وتحرك اخيرا ، وحرك يده ، وراح يتحسس مكان الزناد وقال لنفسه : لا بد من الحذر

والحيطه ولسوف اقتله قبل ان يقتلني ، ولقد يغدو الانسان قاتلا رغم انفه ... وافزعه هذا التفكير

وضاع بين احساساته المتناقضة بموت احمد وبارتكابه القتل !! ودون وعي منه مد فوهة البندقية نحو

الصوت لكي يصيب هدفه بطلقة واحده ، لكنه سمع كلاما اذهله وحيره ، فجمدت يده على الزناد ...

لقد سمع صوتا يقول :

    -يا شيخ عدنان انا حمدان جئت اسلمك هؤلاء الرجال ... وذهل الابن المتربص ، ولكن نفسه

ارتاحت وهدأت اعصابه وتبددت مخاوفه بعد ما سمع ....

ونزل عن السطح من الجهة الخلفية ، ووجد والده قد استيقظ وفتح الباب ، ودخل الشيخ حمدان وعمه

ودخل معهما الرجال .... وابتدرهما بقوله :

     -يا شيخ عدنان ، اتعرف هؤلاء الرجال ؟ واشار الى الثلاثة المكتفين .... وبعد ان تفرس بهم

الرجل قال : نعم اعرفهم !

قال : هل هم من حمولتي او اصحابي او انسبائي ؟

فاجاب الشيخ عدنان لا !!

فقال الشيخ حمدان : بينما كان رجالنا يقومون بحراسة كروم زيتونكم خوفا من العبث بعواطف

الجهلة ، في هذا الظرف العصيب ، واذ بهؤلاء الرجال يعملون ادواتهم في تقطيع ونشر الاشجار فالقى

رجالنا القبض عليهم ، وها هم بين يديكم : فهؤلاء هم اعدائي واعداؤك يا رجل !!

     وما انهى كلامه حتى خرج معه عمه تاركا الشيخ عدنان حائرا في امره ، ولكنه تذكر ان الشيخ

حمدان فعل اختها قبل اليوم ، منذ سنوات ، فقد كان رجاله يتناوبون حراسة بيت اخيه المجاور

لبيوتهم ، ليسد الطريق على المصطادين في الماء العكر ، والعابثين في النار ....

     واحس الرجل بارتياح كبير وكأن الجبال التي ترقد على صدره منذ يومين قد ازيحت بقدرة قادر

وبطرفة عين ، وراح يغبط هذا الرجل على قلبه الكبير الذي يتسع لنزوات الاخرين ، وعينه الساهره ،

ويده المضمده آسية الجراح ....

     وفي الصباح ، كان الشيخ عدنان بين حشد كبير من شيوخ حمولته وشبانها وعلامات الفزع على

وجوههم ، وبعد ان التأم الجمع ، اندفع يتقدمهم بخطى ثابتة ويضرب الارض بعكازه ، في طريقهم الى

بيت الشيخ حمدان .

 

شيخ البلد " قصه قصيره "

     كان يقف في باب " المنزول " وهو في حالة غضب شديد ، وقد خلع عمامته وبشته ، وامسك

بالسوطيهزه بعنف . وكان الرجل صاحب راس كبير ، وله عينان واسعتان مستديرتان كعيني ام قويق .

ولحيته تتدلى على صدره وفكه الاسفل يرتعش ، وجسمه الضخم يرتجف ،وراح يسب ويلعن ويقول:

- كيف يجرؤ هذا الجرو الصغير على شتم حفيدي ! انها الطامه الكبرى ! لعن الله امه الخائته واباه

المفصوع !!

وأرسل الناطور لاستدعاء والده ، انه لم يأت بعد ، ومتى حضر الشيخ العجوز سوف يلقى جزاءه على

سوء تربية جرائه ، عليه ان يعلمهم ان العين التي تنظر الينا شزرا سملناها ، واللسان الذي يجروء على

شتمنا قطعناه ! واليد التى تمتد الينا غدرا بترناها !!!

     والمنزول في البلد كان اشبه بقبو واسع كبير ، يقسم الى قسمين : فالاول - ديوان ضيوف القرية

والغرباء . والثاني - اسطبل للخيل والبهائم . فلقد كان في كل قرية منزول ايام الحكم العثماني ، هو

مأوى الغرباء والضيوف الذين يفدون اليها في عمل او شغل او مهمه !!

     والجنادرة يبيتون فيه ، والمبيضون يتخذونه منزلا ، والبرامكه والنور يقصدونه . وفيه يصيبون

طعامهم وشرابهم . وتنعم البهائم بالشعير والتبن ، يقدمه اهل القريه بالتناوب . وامام المنزول دكة

امامها ساحة كبيرة هي ساحة البلد ، ومنتدى الرجال . يجلسون على الدكة في اوقات فراغهم . في

الصباح وعند المساء ، مع شيخ البلد والناطور ورجال الشيخ الذين يعتمد عليهم عند المهام والامور

الصعبة . يقومون في حراسة الدار وتنفيذ اوامره ، وانزال العقوبات التي يراها مناسبة ، فكان بيته سجن

القريه .

     وفي كل بلد شيخ ، هو ظل الوالي وشبح السلطان ، يسوس الناس ، ويقضي بينهم بالقوة ، ويطيل

النشوة ، ويقبل الرشوة . فلا مظالم ترفع ، ولا شكاوي تقدم الا بامر من الحاكم المطلق في القرية ، من

شيخها . ولم تكن الحكومة تنظر في الدعاوي والمظالم انذاك الا اذا قدمها شيخ البلد ، ورفعها بنفسه ،

وطالب بانزال العقوبة ونوعها . هذا اذا استعصى عليه الامر !! وكان يقدمها ضد من يتمرد ويفر من

قضائه . وكان السجن في عكا ، واللومان مأوى لهؤلاء المتمردين والعصاة . يسامون فيه سوء العذاب .

ويقضون زهرة ايامهم . يتخرجون منه اكثر وحشية واشد نقمة وعنادا من قبل ما دخلوه !!

     وكان البعض منهم يفر ويترك زوجته واولاده الصغار تحت رحمة الحاكم المطلق ، وتحت قسوة

الجوع والالم ووطأة البرد والحر . وتجد السلطه في طلبه ، وبعد سنوات يرجع ويلاقي امامه بدل الجزاء

الواحد جزاءين . وكان البعض الاخر يفر ليلا مع اسرته ولسان حاله يقول : بلاد الله واسعة ! ويترك

وراءه كل ما يملك من حطام الدنيا ، وكوخا تسرح فيه الفئران ، وتتجول فيه الصراصير والدوبيات ..

     وظهر اخيرا في الطرف المقابل للساحة كهل كعود الحطب ، محدودب الظهر ، منحني الراس ،

بطيء الخطى كسائر في جنازة ، وعلى وجهه النحيف غضون سمراء تدل على السآمه والعياء الشديد ،

يجر رجليه بتثاقل ..... وعندما استدعاه الناطور ، حسب لذلك الف حساب ! فالشيخ والقسوه

والظلم والاهانه والفلقه كلمات مترادفه ولكن ما العمل !! وهو رب البلد وحاكمها القوي الجبار

الذي لا يرد له حكم ، واهب الحياة والرزق لمن يشاء من ابنائها !!

     لم يعرف فرهود السبب لهذه الدعوة ، مع ذلك فقد احس بالرجفة تسري في بدنه . ولما وصل امام

شيخ البلد تقدم منه ذليلا ،كسير الفؤاد . لكن الشيخ بصق في وجهه كلما قد تحلب في ريقه في دقائق.

وضربه بالسوط وشتمه ، وصاح به مستغربا دهشا : كيف يجرؤ جروك الصغير على شتم حفيدي

الطاهر الشريف يا بهيم !!! وغمز رجاله فتقدم اليه بعض رجاله الذين انتقاهم من الشبان ، غلاظ

القلوب لا يعرفون الرحمة . زبانية الشيخ وانهالوا على المسكين لطما وصفعا حتى سقط وتكور جسده

على الارض ، يتلقى الضربات . ولم يسمع منه غير همهمة وانين متواصل ! ثم صاح بهم الشيخ

اتركوه وليرحل عن بلدنا الى جهنم !!!

     قام المسكين بعد جهد كبير متثاقلا ، وجمع بعضه على بعض ، ونكس راسه ، واستطاع ان يمسح

ما تبقى من اثر البصاق في وجهه . ومشى الرجل الى بيته يجر ذيول الخزى والعار لكنه يحمل في صدره

الالم والحزن والقلق والثورة المكبوتة التي ما يفكر بها الا ويشعر انه عاجز . لقد قال شيخ البلد كلمته ،

فليفتش له عن بلد اخر . واين سيجد المأوى والمسكن ! اين يذهب ! واين يقيم ؟! لقد ضاقت الدنيا

في وجهه مع سعتها ! وبجهد استطاع ان يعي ان له في بلد بعيد بعض الاقارب وفكر بالنزوح اليهم ...

     وكان ابن العجوز فرهود يلعب في الحارة ، مع بعض الصبية امام الاكواخ المتداعية على اصحابها. 

ومر بهم حفيد الشيخ ، شتمهم بدون مبرر ولا سبب ، واقترب من ابن فرهود اقرب صبي اليه ، ودفعه

قائلا : انت حمار !! واحس الصغير بالاهانة امام اترابه فما كان منه الا الجواب : انت ستين حمار !!

وهم بضربه الا انه لم يكن يدري من اين اتاه الضرب ، حتى ابناء الفلاحين والفقراء صفعوه وقذفوه

بالحجارة مع حفيد شيخ البلد ....

     سمع الجبار القصة من حفيده المدلل ، ونقلها له الرجال ، تشفيا من فرهود ، ذلك الرجل الذي

كان يدأب على عمله في الصباح ، ويعود في المساء . انه حطاب يقطع الحطب من اشجار البلوط

والخروب والعبهر ويحملها على حمار له اشهب ، ويبيعها في المدينة لاصحاب الافران ... ويرجع منها

الى البيت ، الى كوخه يحمل الخبز لاسرته ، والعلف لحماره ، الذي كان يقول عنه دائما : انه يده

ورجله !!

     ومع المساء ، مالت الشمس للغروب ، كما اعتادت ان تميل وانحدرت بين غيمتين ، والفلاحون

عائدون من حقولهم وغيطانهم ، يسحبون البهائم ، ويحملون عشاءها فوق الحمير والبغال . وارتفعت

سحب الدخان من اسطح البيوت ، بيوت الطين والاكواخ وسقوفها ، وهب النسيم مثقلا برائحة

الزيت والعيش ، وصعدت النساء فوق السطوح ، وجهزن الطعام بعد ما انتهين من علف الدجاج

والبهائم . وجلست الاسر حول اطباق الطعام تلتهمه ، وفي تلك اللحظه سقطت الشمس وراء البحر

بالقرب من راس الناقوره ، كدمعة حمراء ، ملتهبة كالدموع المتساقطه على وجنات فرهود واسرته ....

     خيم الظلام على الارض وفرش اجنحتة على الهضاب والآ كام والحقول والبيوت ، وتمدد الناس

في فراشهم بعد تعب النهار الطوبل دون حراك . وفي الطريق الوعر كان فرهود يسير ويتعثر وراءه ابنه

ومعه افراد اسرته وحماره ، والدموع تنحدر من العيون حمراء ساخنة !!!

 

طالع الشجرة " قصة للاطفال "

     كان نضال فتى وسيما ،عاش طفولته مع اسرته في احدى قرى الجليل . وكان بكر هذه الاسره

القروية .... واعتاد ان يذهب الى الكروم والحقول مع رفاقه ، والى الغابة القريبه فوق جبل السنديان ،

حيث يتسلقون الاشجار ويتأرجحون على اغصانها الغليظة ....

      وكان نضال بينهم القائد الصغير المبادر لكل عمل ولهو ، حتى نال حب واعجاب رفاقه ... لقد

كان يكثر الخروج الى الطبيعة والتمتع بجمالها ويصعد على الاشجار حتى يصل الى القمة ....

      وذات يوم ، انطلق مع رفاقه الى احدى الغابات ، وكان في الغابة شجرة جميز عالية ومتفرعه ،

فعزم على الوصول الى قمتها ، وقد حذره رفاقه من خطر السقوط ، الا انه لم يسمع نصيحتهم ، ولم

يعبأ بتحذيرهم ...

      خلع نضال حذائه وثيابه العلويه ، وتسلق على الجذع الضخم وبسرعة وصل مجمع الفروع

العديدة ، ومن ثم صعد على الفرع في وسط الشجرة المرتفع الى اعلى بزاوية قائمة تقريبا .... ارتفع

نضال وارتفع ، وكان الرفاق من تحته على الارض ما بين مشجع ومحذر ولم يدر كيف ان قدمه

انزلقت ، ولم تساعده يده على الامساك باحد الفروع ، واختل توازنه ، وفجأة هوى الى الاسفل ،

مخترقا الاغصان الطرية تارة ومصطدما بالقاسية الاخرى ... واخيرا سقط على الارض ، فدقت ساقه

اليمنى .....

      قضى نضال طيلة شهرين في الفراش ، والجبص يلف الساق كلها وجبر الكسر وعاد الى الحياة ،

يلهو ويلعب ويخرج الى الغابة ويصعد على الاشجار ....

      لم تكن حادثة كسر ساقه قد ردعته عن شيء ، فعزم ان يصعد على الجميزة ويصل الى قمتها .

لقد كان يراوده ذلك الامر وهو لا يزال نائما في السرير ، يقينا منه ان لا شيء مستحيل ....

      ذهب نضال كعادته مع بعض رفاقه الى نفس الغابة والى شجرة الجميز حيث دقت ساقه ، وما

ان وصل حتى اسرع بخلع حذائه وثوبه ، وبالتسلق على الشجرة ، وتناسى ان رجله قد دقت في هذا

المكان ، وانه سوف يعرض ساقه لنفس المصير الاول ، او ساقيه معا .... الا انه كان قد عرف مواطن

الخطر ايضا ، وعرف الخطا الذي ارتكبه عندما سقط انذاك ....

      صعد نضال الى اعلى ، ولم يصل اكثر مما وصله في المرة الاولى ، وسقط على الارض هذه المرة

ايضا ، كادت ساقه اليسرى ان تدق ، نهض متألما يتحسس رجله واعاد الكرة ثانية وثالثة ورابعة ...

وكان في كل مرة يسقط الى الارض ! كان الرفاق يحاولون منعه قائلين له : كفى ! الا تخاف ان

تكسر رجلك مرة اخرى ! وتنام في السرير شهرين كاملين ! لكن ذلك لم يثنه عن عزمه , بل استمر

وتمكّن ان يتجنب كل مرّة الاخطاء التي تسببت في سقوطه ...

وكان في كل مرة يحاول بها يرتفع قليلا حتى انه وصل اخيرا الى قمة الشجرة . واعاد الكرّة الى القمة

ثانية وثالثة ورابعه...

   وارتفع صوت رفاقة بالغناء في كل مرة يصل فيها الى القمة  قائلين :

            " يا طالع الشجرة    هات لي معك بقرة

             تحلب لي وتسقيني بالملعقة الصيني .."

     

      وهكذا كان نضال لا ينثني عزمه عن انجاز عمل حتى يحقق ما يراه ممكنا !

      مرت الايام وكبر نضال واحب ركوب الخيل وتمرن على ذلك في حقول القرية الواسعه ,

وصارت هوايته المحببه الوحيدة التي يمارسها يوميا على حصانه الابيض ..

      وركب الحصان ذات يوم, كي يعبر به فوق الحواجز لاول مرة فما ان قفز الحصان الا ونضال

يهوي الى الارض. وفي الكرة الثانيه هوى عن حصانه الابيض وهو يجتاز الحاجز , لكنه استطاع ان

يقف على رجليه بسرعة ويعود الى صهوة الجواد . وفي الثالثة والرابعة استطاع ان يسقط واقفا...

وواظب على التمرين والمحاولة ولم يسقط, واستطاع ان يثبت فوق الجواد الابيض ...

     وذات يوم صار نضال يشارك في سباق الخيول , في تخطي الحواجز على اختلاف ارتفاعاتها..

واستطاع ان يفوز اكثر من مرة بالمرتبة الثالثة فثم الثانية , حتى انه فاز اخيرا بالمرتبة الاولى !! وكان

دائما يقول : "بالعزيمة والصبر والمثابره يتحقق كل شيء..."

 


 

الرسام والعصفور

 

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء الٌقمر

 

بدأت أيام العطلة الصيفية ، وأخذ الأطفال يلعبون هنا وهناك فرحين سعداء .. كل واحد منهم أخذ يلعب لعبته المفضلة .. أما ماهر فقد عاد لممارسة هوايته في الرسم .. منذ مدة وماهر ينتظر أن يعود لريشته وألوانه .. كان يحب الرسم ويعتبره الهواية الأجمل في هذه الحياة .. نادته أمه من البعيد :

- ماهر تعال يا ماهر ..

ركض نحوها ، وحين وصل ووقف قربها ، وضعت يدها على رأسه بحنان وقالت :

- هاقد عدت إلى هوايتك المضلة .. يحق لك الآن أن ترسم بكل حرية بعد أن أنهيت سنتك الدراسية بكل جد ونشاط ..أخبرني هل رسمت شيئا ؟؟ ..

- نعم يا أمي رسمت بطة جميلة وزورقا يسبح في النهر ..   

قالت الأم:

-  وأين هي لوحتك ، أريد أن أراها ، ليتك تريني كل شيء ترسمه..

ذهب ماهر إلى الغرفة وأحضر لوحته الصغيرة .. نظرت الأم إليها مدققة وقالت :

- لا شك أنك رسام ماهر مثل اسمك.. لكن كما تعلم الرسم يحتاج إلى الكثير من الصبر والمران ، راقب كل شيء وارسم بكل هدوء .. التعامل مع الألوان ممتع يا حبيبي .. سيفرح والدك عندما يعود بعد أيام من سفره ليجد أمامه عدة لوحات .. السنة الماضية كانت لوحاتك أقل نضوجا .. لكن هاهي لوحتك الأولى لهذا العام تبشر بالكثير .. ارسم كل شيء تراه في الطبيعة .. ليس هناك أجمل من الطبيعة .. والآن سأقدم لك هديتي ...

ضحك ماهر وقال :

- وما هي يا أمي ؟؟..

قالت الأم :

- ماذا ترى هناك على المنضدة ؟؟

نظر ماهر وصاح بفرح :

- علبة ألوان ... كم أنا بحاجة إليها .. شكرا لك يا أمي ..

ركض نحو المنضدة وأخذ علبة الألوان بفرح .. قالت الأم :

- وقد وعد والدك أن يحضر معه الكثير من أدوات الرسم ..

قال ماهر :

- شكرا لكما يا أمي ..

خرج ماهر إلى الحديقة المجاورة ، جلس على أحد المقاعد وأخذ يتلفت قائلا :

- ماذا سأرسم ؟؟ يجب أن أرسم شيئا جميلا .

سمعه عصفور ملون فقال :

- ارسمني يا ماهر .. انظر إلى ريشي ما أجمل ألوانه ..

قال ماهر :

- وهل تستطيع أن تبقى واقفا هكذا على الغصن حتى أنتهي من الرسم .. ؟؟..

 أجاب العصفور :

- أجل سأقف .. لكن هل سيكون الرسم جميلا ؟؟..

قال ماهر :

- سنرى ..

وضع ماهر قطعة الورق المقوى على خشبة مربعة كان قد أحضرها معه.. أخرج الأقلام الملونة .. وبدأ يرسم بكل هدوء العصفور الذي وقف ساكنا إلى فترة تحرك بعدها وقال :

- ماهر لقد تعبت ..

كان ماهر مستغرقا برسمه ، فلم يسمعه .. طار العصفور ووقف قرب ماهر قال :

- تعبت يا ماهر .. تعبت ..!!..

ضحك ماهر وقال :

-لا بأس سأتركك لترتاح قليلا ..

زقزق العصفور فرحا ، طار إلى الغصن وعاد ، وقف قريبا من اللوحة وأخذ ينظر ، قال بدهشة :

- هل هذا الرأس رأسي يا ماهر ؟؟..

قال ماهر :

- أكيد ..إنه رأسك الجميل أيها العصفور ..

قال العصفور :

- رسمك رائع يا ماهر .. سأقف على الغصن حتى تكمل الرسم ..

أخذ ماهر يرسم العصفور بهدوء .. وكان العصفور بين الحين والحين يترك الغصن ويأتي لينظر إلى صورته في اللوحة .. وبعد قليل من الوقت انتهى ماهر تماما من رسم العصفور وقال :

- الآن تعال وانظر أيها العصفور ..

وقف العصفور أمام اللوحة ، زقزق سعيدا وقال :

- هل هذه الصورة تشبهني حقا  ؟؟ . كم هو جميل رسمك ..

ضحك ماهر وقال :

- رسمي جميل لأنك جميل أيها العصفور الغالي ..

زقزق العصفور بفرح وطار بعيدا ليخبر أصدقاءه الطيور عن تلك الصورة الجميلة التي رسمها ماهر ، بينما حمل ماهر أدواته وعاد مسرورا مليئا بالسعادة إلى البيت ...

 


 

السمكة والحرية

 

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء الٌقمر

 

كان الإناء الذي وضعت فيه السمكة صغيرا جدا .. كانت قبل فترة قصيرة في البحر الواسع الشاسع الذي لا يحد ، ووجدت نفسها فجأة في مكان لا يكاد يتسع لحركتها ، ولسوء حظها فقد نسيها الصبي هكذا على الشاطئ ومضى مع أهله .. كانت السمكة حزينة مهمومة تبحث عن أي طريقة للعودة إلى البحر فلا تجد .. حاولت القفز ففشلت ، دارت بسرعة وحاولت الخروج ، فارتطمت بطرف الإناء الصلب ..

كان البلبل يرقبها ولا يعرف لماذا تدور وتقفز هكذا ، اقترب من الإناء وقال :

- ما بك أيتها السمكة ، أما تعبت من كل هذا الدوران والقفز ؟؟..

قالت بألم :

- ألا ترى المصيبة التي أصابتني ؟؟..

قال البلبل دون أن يفهم شيئا :

- مصيبة !! أي مصيبة .. أنت تلعبين وتقولين مصيبة ؟؟..

- سامحك الله ألعب وأنا في هذه الحال ، ألعب وأنا بعيدة عن البحر ، ألعب وقد تركني الصبي في هذا الإناء ومضى هكذا دون أن يشعر بعذابي .. !!.. كيف ألعب وأنا دون طعام ؟؟.. كيف ألعب وأنا سأموت بعد حين إذا بقيت بعيدة عن البحر ..

قال البلبل :

- أنا آسف.. فعلا لم أنتبه .. رأيت إناء جميلا وسمكة تتحرك وتدور، فظننت أنك ترقصين فرحا ..

- نعم .. كالطير يرقص مذبوحا من الألم !! ..

قال البلبل :

- على كل ماذا نستطيع أن نفعل .. أتمنى أن أستطيع الوصول إليك، لكن كما ترين مدخل الإناء ضيق والماء الذي فيه قليل ،وأنت أكبر حجما مني ،  كيف أصل إليك ؟؟ ثم كيف أحملك ؟؟..

قالت السمكة :

- إنني في حيرة من أمري .. لا أدري ماذا أفعل ! أحب الحرية ، أريد أن أعود إلى البحر الحبيب ، هناك سأسبح كما أريد ، أنتقل من مكان إلى مكان كما أشاء ..

قال البلبل :

- سأحاول مساعدتك ، انتظري وسأعود بعد قليل ..

طار البلبل مبتعدا ، حتى التقى بجماعة من الحمام ، طلب البلبل منها الحمام أن تساعده في إنقاذ السمكة المسكينة التي تريد الخلاص من سجنها الضيق الذي وضعها فيه الصبي ورحل .. وافقت جماعة الحمام ، وطارت نحو الإناء وحملته ، ثم تركته يقع في البحر .. كانت فرحة السمكة لا تقدر بثمن وهي تخرج سابحة إلى بحرها الحبيب .. قفزت على وجه الماء وصاحت بسرور :

- شكرا لكم جميعا على ما قمتم به .. شكرا لك أيها البلبل الصديق ..

وغطست في الماء وهي تغني أجمل أغنية للحرية والوطن .. كانت تملك من السعادة بحريتها ما لا يقدر بثمن ..

 


 

الراعي الصغير

 

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء الٌقمر

 

قال الوالد لأحمد :

- غدا صباحا ستذهب يا أحمد إلى البراري لترعى الأغنام .. لقد كبرت يا ولدي وصرت قادرا على تحمل المسؤولية ..

فرح أحمد كثيرا وشعر بالفخر ، فهو يحب الرعي ويحب الأغنام الرائعة لأنه يعتبرها صديقة له .. قال لوالده :

- حاضر يا أبي ، سأرعاها جيدا ، أنا أحب كل واحدة من أغنامنا  .. سأجعلها تستمع  وتفرح وتمرح ..

قال الوالد ضاحكا :

- سنرى يا بني .. والآن اذهب إلى فراشك لتنام وتستيقظ باكرا .. سأجعلك ترعاها طوال أيام الصيف ، الآن أنت تقضي أيام عطلتك الصيفية ، وغدا عندما تعود إلى المدرسة ستحكي لأصدقائك الكثير من القصص عن المرعى ..

ذهب أحمد إلى فراشه ونام مبكرا ، كانت كل أحلامه تدور حول المرعى والأغنام .. وعندما استيقظ في الصباح ، غسل وجهه ويديه ، ثم تناول طعامه .. بعدها ودع والديه وساق الأغنام إلى المرعى يرافقه كلبهم الوفي القوي . ولم ينس أحمد الناي الذي كان يتقن العزف عليه .. كان كل شيء جاهزا ، وكان كل شيء جميلا مع إشراقة الصباح الندية ..

كان المرعى كبيرا واسعا ممتدا .. جلس أحمد يتأمل الأغنام وهي ترعى ، وتستمع إلى صوت الناي الحنون .. فجأة أخذ الكلب ينبح .. ترك أحمد الناي جانبا ونظر إلى الكلب مستفهما..ظن أن ذئبا من الذئاب قد اقترب ، وهذا ما جعله يخاف بعض الشيء .. لكن الكلب قال :

- هناك واحدة من الأغنام غائبة .. إنها الأصغر في القطيع .. أين هي يا ترى ؟؟..

عد أحمد الأغنام وقال :

- فعلا هناك واحدة غير موجودة .. يا الله ماذا سأفعل ؟؟

قال الكلب :

- اذهب وابحث عنها يا أحمد .. لا بد أنها في مكان قريب .. سأبقى هنا لحراسة القطيع ، لا تخف ..

قال أحمد محتارا :

- لكن أخاف أن يأتي الذئب ، أو أن تهرب واحدة أخرى ؟؟ ..

طمأنه الكلب الوفي وقال :

- لا تخف يا أحمد سأكون حريصا .. اذهب ..

قالت واحدة من الأغنام :

- سنكون هادئات ، لا تخف يا أحمد ، اذهب وابحث عن أختنا التائهة ..

قالت أخرى :

- غريب أمرها .. على كل ستجدها في مكان قريب ..

ترك أحمد الأغنام والكلب وأخذ يبحث في الأماكن القريبة ..لم يبتعد كثيرا .. كان حقل العم خليل مليئا بالحشائش الطرية .. ناداه العم خليل متسائلا :

- ماذا بك يا أحمد ؟؟ ..

قال أحمد :

- أبحث عن إحدى الأغنام ، تصور فجأة اكتشفت غيابها .. في الحقيقة الكلب هو الذي نبهني لغيابها ..

قال العم خليل :

- لا بأس يا أحمد هاهي عندي تأكل وترعى كما تشاء تعال وخذها .. هذا هو درسك الأول يا بني ، الراعي اليقظ لا يترك قطيعه ينقص بأي حال ..

قال أحمد :

- شكرا لك يا عم خليل .. فعلا هذا هو درسي الأول في المرعى .. سأنتبه كثيرا لأكون راعيا يقظا نشيطا ..

حملها أحمد وعاد مسرعا ، قال لها في طريق العودة للمرعى:

- لماذا تركت القطيع .. هكذا تفعلين ؟؟..

قالت له :

- لن أعود إلى ذلك صدقني .. أعترف أنني أخطأت .. لكن كيف لم تنتبه وأنا الأصغر في كل قطيعك من الأغنام ، كنت أظن أنني مميزة ..

ضحك أحمد وقال :

- معك حق .. كان من واجبي الانتباه ..

قضى أحمد بقية نهاره دون أن تغفل عينه عن مراقبة القطيع ، وعندما عاد إلى البيت أخرج الدفتر وأخذ يكتب قصة اليوم الأول في المرعى ..

 


 

ليلى والعصفور السجين

 

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء القمر

 

كان القفص معلقا على الجدار .. داخل القفص كان العصفور ذو الريش الحلو الجميل يقف حزينا كئيبا .. بين الحين والحين كانت نظراته ترحل في الفضاء الواسع باحثة عن صديق ، وفي كل مرة كان هناك عصفور يمر معلنا عن فرحه بالانطلاق والحرية .. ولأن العصفور كان حزينا فلم ينتبه لتلك التحيات التي كانت العصافير تلقيها مزقزقة من بعيد .. قال يخاطب نفسه : رحم الله ذلك الزمن الذي كنت فيه حرا طليقا مليئا بالنشاط ، لكن هذا الصياد الذي لن أنسى وجهه ، سامحه الله ، تسبب في وضعي حبيسا هكذا .. ماذا جنى من كل ذلك .. تابع العصفور يحدث نفسه : لكن هذه البنت ليلى، لا أنكر أنها طفلة محبوبة ، إنها تعاملني أحسن معاملة ، ولكن تبقى الحرية هي الأغلى في العالم كله ..

في هذا الوقت تحديدا أتت ليلى ووقفت أمام القفص وقالت :

- كيف حالك يا صديقي العزيز .. أتدري لقد اشتقت إليك ، تصور لا تمر دقائق إلا وأشتاق إليك ، أنت أغلى الأصدقاء أيها العصفور الحبيب .. ما رأيك أن أقص عليك اليوم قصة الملك ديدبان والأميرة شروق ؟؟ ..

كان العصفور في عالم آخر ، لم يجب بحرف واحد .... استغربت ليلى وقالت :

- ماذا جرى أيها العصفور ، كأنك لم تسمع شيئا مما قلت ، أنت الذي طلبت مرات ومرات أن تعرف شيئا عن الأميرة شروق ، تقف الآن ولا تقول أي شيء .. ماذا بك أيها العصفور ، هل أنت مريض أم ماذا ؟؟..

نظر العصفور إليها مهموما حزينا وقال :

- أتدرين يا صديقتي ليلى إنني أكره حياتي السجينة في هذا القفص.. ما هذه الحياة التي لا تخرج عن كونها قفصا صغيرا ضيقا .. أين الأشجار والفضاء والأصدقاء من العصافير .. أين كل ذلك ؟؟ كيف تريدين أن أكون مسرورا ، صحيح أنني أحب سماع قصة الأميرة شروق ، لكن حريتي أجمل من كل القصص ..

قالت ليلى حائرة :

- نعم يا صديقي لا شيء يعادل الحرية .. لكن ماذا أفعل .. أنت تعرف أن الأمر ليس بيدي !!. 

قال العصفور غاضبا :

- أعرف يا ليلى ، لكن أريد أن أسألك ماذا يجني أبوك من سجني ؟؟ أنا أحب الحرية يا ليلى ، فلماذا يصر والدك على وضعي في هذا القفص الضيق الخانق؟؟.. إنني أتعذب يا ليلى ..

بكت ليلى ألما وحزنا ، وركضت إلى غرفة والدها .. دخلت الغرفة والدموع ما تزال في عينيها .. قال والدها :

- خير يا ابنتي .. ماذا جرى ؟؟

قالت ليلى :

- أرجوك يا أبى ، لماذا تسجن العصفور في هذا القفص الضيق ؟؟.. 

قال الوالد متعجبا :

- أسجنه ؟؟ .. ما هذا الكلام يا ليلى ، ومتى كنت سجانا يا ابنتي؟؟..كل ما في الأمر أنني وضعته في القفص حتى تتسلي باللعب معه .. لم أقصد السجن ..

قالت ليلى :

- صحيح أنني أحب العصفور ، وانه صار صديقي ، لكن هذا لا يعني أن أقيد حريته .. أرجوك يا أبي دعه يذهب ..

قال الوالد ضاحكا :

- لا بأس يا ابنتي سأترك الأمر لك .. تصرفي كما تشائين .. لا داعي لأن أتهم بأشياء لم أفكر بها.. تصرفي بالعصفور كما تريدين.. لك مطلق الحرية .. أبقيه أو أعطيه حريته .. تصرفي يا ابنتي كما تشائين ..

خرجت ليلى راكضة من الغرفة .. كانت فرحة كل الفرح ، لأن صديقها العصفور سيأخذ حريته .. وصلت وهي تلهث ، قالت:

- اسمع أيها العصفور العزيز . اسمع يا صديقي .. سأخرجك الآن من القفص لتذهب وتطير في فضائك الرحب الواسع .. أنا أحبك ، لكن الحرية عندك هي الأهم ، وهذا حقك ..

أخذ العصفور يقفز في القفص فرحا مسرورا .. قال :

- وأنا أحبك يا ليلى ، صدقيني سأبقى صديقك الوفي ، سأزورك كل يوم ، وسأسمع قصة الأميرة شروق وغيرها من القصص ..

صفقت ليلى وقالت :

- شكرا يا صديقي العصفور .. لك ما تريد .. سأنتظر زيارتك كل يوم .. والآن مع السلامة ..

فتحت باب القفص ، فخرج العصفور سعيدا ، وبعد أن ودع ليلى طار محلقا في الفضاء ..

 وكان العصفور يزور ليلى كل صباح وتحكي له هذه القصة أو تلك، ويحكي لها عن المناطق التي زارها وعن الحرية التي أعطته الشعور الرائع بجمال الدنيا ..

 


 

الصرصور الكسول !!

 

 طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء الٌقمر

 

تعوّد الصرصور أن يسرق طعامه من الآخرين ، كان يظن أن من حقه أخذ كل شيء دون جهد أو تعب ، لأنه ببساطة يعتبر أن العمل مضيعة للوقت .. وكم مرة صاح في الليالي الدافئة الحلوة :

- كل شيء متوفر وكثير فلماذا أجمع وأخبئ الطعام كما يفعل هؤلاء الأغبياء ؟؟

كان يضحك متعجبا حين يرى جماعة النمل تروح وترجع حاملة الطعام لتخبئه من أجل الشتاء البارد ، وكان وهو يغني ويرقص يخاطب النمل قائلا :

- ما كل هذا الغباء ، هل من الحكمة تضييع هذه الساعات الجميلة الرائعة بمثل هذه الأمور التافهة ؟؟ !! ..

مرت أيام الصيف وبدأ الجو يتغير شيئا فشيئا .. الصرصور كان غير مهتم .. ومازال مستغرباً من جماعة النمل .. لكنه وبعد حين ، بدأ يلحظ أن الأمور تتغير ، الطعام قل ، البرد صار شديدا ، الرياح لا تترك له حرية الحركة ..

 وعاد الصرصور إلى عادته القديمة ، وهل هناك أسهل من السرقة قال في نفسه ؟؟ ..

أيام مرت وهو يسرق من بيوت النمل الطعام الذي يريد .. كان ذلك سهلا ولا يكلفه جهدا يذكر .. لكن بعد مدة ،  واحدة من جماعة النمل قبضت عليه ونادت بصوت مرتفع .. اجتمع النمل جماعات ، جماعات .. وبعد تفكير وتمحيص قرروا محاكمة الصرصور ..حتى في مثل هذا الموقف العصيب ضحك الصرصور وقال :

- ماذا !! محاكمة .. حتى أنا لا أعرف ماذا تعني كلمة محاكمة هذه، فكيف أنتم ؟؟ ..

قالت واحدة من النملات :

- الذي يعمل ويتعب يعرف ماذا تعني المحاكمة.. ألا تعرف أيها المجنون أننا مجتمع منظم يعرف كل شيء عن هذه الأمور ..

بصراحة كان الصرصور لا يفهم شيئا من هذا الذي يجري .. قال في نفسه ((محاكمة !! ليكن وماذا ستكون النتيجة !!على أقل تقدير سأتعرف على هذه التي تدعى محاكمة !!)) ..

بعد التشاور والتباحث اجتمع مجلس النمل ، ووضع الصرصور الذي كان خائفا ، في قفص الاتهام .. وعندما سمع كلمة (( متهم )) كاد يغيب عن الوعي ، خاصة عندما تأكد أنه المقصود بهذه الكلمة المخيفة ..

قالت النملة رئيسة المجلس :

- يا جماعة النمل ، اليوم تشهدون قضية من أخطر القضايا ، إنني أقول لكم بصريح العبارة إن هذا الصرصور الماثل أمامكم تعوّد أن يسرق من بيوت الآخرين ، لأنه كما تعلمون جميعا لا يحب أن يعمل، إنه يمضي حياته بالاعتماد على الكسل واللعب !! وعلى هذا أرى أن يعاقب أشد عقاب ليكون عبرة للآخرين ..

أخذ الصرصور يرتعش من الخوف والاضطراب .. وازداد خوفه ، عندما ارتفع صوت نملة أخرى تجلس إلى يمين رئيسة المجلس قائلة:

- يجب أن أوضح هنا أن هذا الصرصور وأمثاله من جماعة الصراصير ، يظنون بوقاحة غريبة أنهم يؤدون خدمة للآخرين لمجرد أنهم يغنون هذا الغناء المقزز ، ويحسبون أن من حقهم السرقة ، بل يعتبرون أننا خدم عندهم ، وعلينا أن نؤمن طعامهم بينما هم يرقصون ويغنون !!..

قالت واحدة من النملات بدهشة وتهكم :

- ماذا !! هل يظنون هذا الصرير المزعج غناء؟؟ .. يا للعجب .. لا شيء يزعج  مثل هذا الصرير !!.. لكن أريد أن أعرف كيف يجدون أن من حقهم أخذ طعام الآخرين ؟؟..          

أجابت النملة ببساطة ووضوح :

- الصراصير تظن أنها خلقت للغناء واللعب والتسلية ، طبعا إنهم يظنون أن أصواتهم في غاية الجمال .. وقد علمت من بعض المعارف من الحشرات الأخرى ، أن الصراصير تجد أن من واجب النمل وكل حشرة أخرى أن تكون خادمة للصراصير في تأمين الطعام ، هل رأيتم وقاحة مثل هذه الوقاحة ؟؟ .. مجتمع الصراصير كما تعلمون مجتمع مفكك غير منظم ، إنهم يريدون الراحة والتسلية على حساب الآخرين ..

ضج المجلس بالاستنكار ، وصاح الجميع بضرورة معاقبة الصرصور ، وكل صرصور آخر .. هنا وقفت رئيسة المجلس وطالبت الجميع بالصمت ، وقالت :

- أنت أيها المتهم ، ماذا تقول بعد أن سمعت ما سمعت .. طبعا من حقك أن تدافع عن نفسك .. قل ما تريد ؟؟..

قال الصرصور وهو يرتعش :

- كنت جائعا ، ولم أجد الطعام ، ماذا أفعل ، هل أموت جوعا ؟؟

قالت رئيسة المجلس بصرامة :

- لكن هذا لا يجيز لك السرقة ..إنك ببساطة تأكل جهدنا وتعبنا وقوتنا .. لماذا تركت الوقت يسرقك ولم تعمل من أجل هذه الأيام ، هل من المنطق أن نعمل نحن ونشقى ونتعب ، لتأتي أنت وأمثالك هكذا بكل وقاحة وتستولون على جهدنا ؟؟

أجاب الصرصور خائفا :

- أنا وجماعة الصراصير لا نعرف غير الغناء !! كان ذلك منذ قديم الزمان ومازال !!ولدت ووجدت الأمور هكذا ، عليكم أن تحاكموا أجدادي .. أنا لست إلا صرصورا مسكينا ..

قالت رئيسة المجلس :

- هذا يدل على أنكم في غاية الغباء ، لماذا لم تعملوا وبعدها ليكن الغناء كيفما تشاءون ؟؟ لو كنتم تملكون ذرة من الذكاء لعملتم ثم غنيتم .. الغناء جميل بعد العمل والنشاط وبذل الجهد .. ولا معنى للحياة بدون عمل !!..

ارتفع صوت النمل عاليا :

- لا معنى للحياة من غير عمل .. لا معنى للحياة من غير جهد ..

قالت النملة رئيسة المجلس :

- لذلك ، وحسب قانون جماعتنا أرى أن  نحكم عليك بالموت..لأن الذي لا يعمل لا يستحق الحياة .. إنك وأمثالك عالة على الآخرين ..

حاول الصرصور بكل الوسائل أن ينال عطف النمل ، لكن دون جدوى ، فقد قر القرار على إعدام الصرصور السارق لجهد الآخرين ..

عند صباح اليوم الثاني رأت جماعة الصراصير ذلك الصرصور ميتا ومرميا في الشارع .. رغم ذلك فقد ظلت الصراصير كما كانت دائما ، ولم يتغير شيء .. وكانت جماعة النمل النشيطة في غاية الأسف لأن هذا الدرس لم يفد بقية الصراصير!!..

 

 

النهر يعود للجريان

 

طلعت سقيرق، من مجموعته هيفاء وضوء الٌقمر

 

تساءل النهر ذات يوم :

- لماذا أسير دون توقف ، ماذا أستفيد من هذا التعب المضني؟؟ يجب أن أستريح ..

سمعته جارته الشجرة ، وكانت قريبة جدا ، قالت له :

-لا يا صديقي ..حياتك في جريانك أيها النهر العزيز ..أنت تقدم الخير للآخرين ، وحين تتوقف عن العطاء ستترك الكثيرين للموت!!

ضحك النهر بصوت مرتفع وقال :

- يا لك من شجرة بلهاء ما دخلي أنا .. سأتوقف عن الجريان ولن يحدث شيء .. ألا يحق لي أن أستريح ، أمرك عجيب ؟؟!!..

نفذ النهر ما أراد ..فجأة توقف عن المسير ، وبدأت مياهه تجف شيئا فشيئا حتى كادت تنتهي .. كان فرحا مسرورا لأنه حقق أخيرا حلمه ، وأراد أن ينام بعض الوقت .. كان يظن أن الأمور تسير على أفضل حال !!

 بعد عدة أيام ، وكان كل شيء قد تغير وتبدل ..مرت سعاد تلك الطفلة الجميلة التي تعرف هذا النهر منذ مدة .. فوجئت  تماما عندما صارت قريبة منه ، لم تصدق ما تراه ، قالت بتأفف :

- كم أنت غريب أيها النهر ، إن رائحتك كريهة ، وأشجارك يابسة ، ومنظرك منفر ..

لم تحتمل المنظر والرائحة ،  ابتعدت راكضة وهي تسد فتحتي أنفها بالسبابة والإبهام ..

بعد قليل جاء الطفل خالد ليدرس على ضفة النهر كما تعود، لكنه كم أسف حين رأى ما رأى ، لم يكن بإمكانه الجلوس حتى لدقائق قليلة ، فاضطر للابتعاد وهو يقول:

- يا لك من نهر مسكين .. ماذا جرى لك حتى وصلت إلى هذه الحال؟؟ لا بد أن مصيبة ما قد وقعت .. مسكين أنت يا صديقي النهر!!..

أما الأشجار ، تلك التي أصابها ما أصابها من تصرف النهر ، فكانت تفقد حياتها أو تكاد ..

قالت له الشجرة القريبة وهي تتلوى من الجوع والظمأ :

-        أرأيت أيها النهر ماذا فعلت بنا وبنفسك ؟؟ إنك تدفع بنفسك وتدفع بنا للموت ..

لم يجب النهر لأنه كان في غاية الحزن والألم .. لكنه قال بعد حين ودموع الندم في عينيه :

-   آه كم أنا حزين أيتها الجارة الشجرة .. ليتني كنت عاقلا ولم أقم بما قمت به !! ماذا جرى لي .. لعن الله الشيطان.. كانت فكرة مجنونة .. لكن سأكفر عن خطئي.. سأعود للجريان...

لكن هيهات !! حاول النهر جهده دون جدوى .. لقد أصبح الماء ضعيفا بليدا .. قالت الشجرة :

-        عليك أن تنتظر المطر لتسير من جديد ..

أجاب النهر بحزن :

-        لكن هل سأعود مثلما كنت .. وهل ستعود الأشجار والأزهار كما كانت ؟؟

تنهدت الشجرة بأسف وقالت :

-   ربما يا صديقي... ربما !! لكن هناك من فقد حياته بسبب طيشك ورعونتك .. ما فعلته كان نوعا من الجنون ..

اعترف النهر قائلا :

-   لقد أخطأت خطأ كبيرا فادحا .. لكن ماذا يفيد الندم .. آه كم أشعر بالألم يا جارتي الشجرة ..

من حسن حظ النهر والشجر والأزهار أن الوقت لم يطل ، فبعد أيام هطل المطر غزيرا ، فأخذ النهر بعد أن امتلأ بالماء يسير مسرعا وكأنه يرقص من الفرح .. كان يمنح الماء ويعطيه للآخرين بسرور وحب .. ودوما كانت تتجمع في عينيه دمعتان كبيرتان عندما يتذكر من مات عطشا بسبب توقفه عن الجريان ، وهذا ما كان يدفعه لزيادة سرعته في توزيع الماء على الجميع ..

Portada | Almadrasa | Revista | Alyasameen | Islam | Corán | Cultura | Poesía | Andalus | Biblioteca | Jesús | Tienda

© 2003 - 2016 arabEspanol.org Todos los derechos reservados.